ابن كثير
31
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
جميع الجيران ، وجعل اللّه فيها بركة وخيرا كثيرا . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 38 إلى 41 ] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ( 38 ) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 40 ) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 41 ) لما رأى زكريا عليه السلام أن اللّه يرزق مريم عليها السلام فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ، طمع حينئذ في الولد وكان شيخا كبيرا قد وهن منه العظم واشتعل الرأس شيبا ، وكانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرا ، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفيا ، وقال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أي من عندك ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً أي ولدا صالحا إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ . قال تعالى : فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أي خاطبته الملائكة شفاها خطابا ، أسمعته وهو قائم يصلي في محراب عبادته ومحل خلوته ومجلس مناجاته وصلاته . ثم أخبر تعالى عما بشرته به الملائكة أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى أي بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى . قال قتادة وغيره : إنما سمي يحيى لأن اللّه أحياه بالإيمان . وقوله مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ . روى العوفي وغيره عن ابن عباس ، وقال الحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وأبو الشعثاء والسدي والربيع بن أنس والضحاك وغيره في هذه الآية مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي بعيسى ابن مريم . وقال الربيع بن أنس : هو أول من صدق بعيسى ابن مريم . وقال قتادة : وعلى سننه ومنهاجه . وقال ابن جريج : قال ابن عباس في قوله مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ، قال : كان يحيى وعيسى ابني خالة ، وكانت أم يحيى تقول لمريم : إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك ، فذلك تصديقه بعيسى تصديقه « 1 » له في بطن أمه ، وهو أول من صدق عيسى ، وكلمة اللّه عيسى ، وهو أكبر من عيسى عليه السلام ، وهكذا قال السدي أيضا . قوله : وَسَيِّداً قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة وسعيد بن جبير وغيرهم : الحكيم . قال قتادة : سيدا في العلم والعبادة . وقال ابن عباس والثوري والضحاك : السيد الحكيم التقي . قال سعيد بن المسيب : هو الفقيه العالم . وقال عطية : السيد في خلقه ودينه . وقال عكرمة : هو الذي لا يغلبه الغضب . وقال ابن زيد : هو الشريف . وقال مجاهد وغيره : هو الكريم على اللّه عز وجل . وقوله : وَحَصُوراً روي عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير
--> ( 1 ) في الطبري « سجوده له في بطن أمه » .